بسم الله الرحمن الرحيم
مقترح مشروع صندوق الزكاة بالمغرب : الواقع والآفاق
إعداد : عبد الكريم بناني ، خريج دار الحديث الحسنية بالرباط
نص المحاضرة التي ألقيت بدار الشباب أنوال بتازة ، يوم الجمعة 20 فبراير 2009
تنظيم المجلس العلمي المحلي بتازة
الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام ، تمثل التأكيد الرئيسي لقيمة التعامل المالي في حياة المسلم ، وفي سلوكه ومعاملاته ، فهي حق المال الذي يمتلكه الإنسان أي تكليف يتعلق بالمال بقطع النظر عن طبيعة صاحبه ، فهي ضريبة على الأموال وليس على الأشخاص بدليل وجوبها على كل الفئات العمرية بما فيهم القاصر والمحجور والسفيه والأحمق ، حيث تبقى مسؤولية إخراجها على ولي أمرهم وتؤخذ حسب مصادرها من رؤوس الأموال أو من غلاتها بنسب محدودة .
فهذا الارتباط الذي يمثله هذا الركن بما هو في ملك الإنسان جعل منها ركنا مغيبا في حياة المسلم بصفة عامة ، يقول المفكر الإسلامي فهمي هويدي ” لسنا نعرف ركنا من أركان الدين لحقه التجاهل والغبن ولاحقته الإساءة مثل فريضة الزكاة ” .
ويضيف : ” هي فريضة غائبة في الوعي العام حاضرة في الوعي الخاص ، وإن كانت في حضورها منقوصة أو غائبة ، هي غائبة في الوعي العام من حيث إنها مستبعدة من الحلول المطروحة سواء لمواجهة الأزمة الراهنة أو لضبط موازين العدل الاجتماعي التي اختلت بشدة ، وهي حاضرة في الوعي الخاص من حيث قطاعات عريضة من المتدينين شديدة الحرص على أدائها في مواعيدها المقررة كل سنة قبل عيد الفطر ولكنه أداء مبعثر غير منظم من ناحية ثم إنه يتجه عادة إلى الإحسان والصدقات ،،،، وبين الغيبة في الوعي العام والقصور الذي ينتاب الفريضة في الوعي الخاص فإن الزكاة تظل معطلة الوظيفة مهدورة القيمة محسوبة من الرصيد الضائع ،،،” وعليه يمكن أن نطلق وصفا على فريضة الزكاة بأنها الفريضة المظلومة وهذا الظلم اللاحق بها يتسبب به سوء الوعي بمفاهيمها وبدورها لدى المسلمين وغيرهم . ( جريدة التجديد ع 1085 9 فبراير2005) .
كما أن الظلم يلحق هذه الفريضة من حيث غياب الوحدات الجامعية والدراسات والأبحاث المعمقة في جانب استثمار أموال الزكاة وإخراج مشروع الصندوق إلى حيز الوجود .
وسأحاول من خلال هذه الدراسة المتواضعة الوقوف على المقترح الذي أطلقه المرحوم الحسن الثاني رحمه الله وهو مقترح مشروع صندوق الزكاة بالمغرب ، من خلال الحديث عن آلياته ووسائله المتوفرة وكذا آفاق تطبيقه ، والتجارب التي تعيشها الدول التي طبقت هذا المشروع المهم ، وذلك من خلال النقط التالية :
أولا : أوجه الإعجاز في تشريع الزكاة
ثانيا : مجالات التنمية للزكاة
ثالثا : واقع مشروع صندوق الزكاة بالمغرب
رابعا : قراءة في صناديق الزكاة ببعض الدول العربية والإسلامية
خامسا : آفاق تطبيق المشروع بالمغرب
سادسا : شروط إنجاح صندوق الزكاة بالمغرب
سابعا : مقترحات عملية
أولا : أوجه الإعجاز في تشريع الزكاة
القراءة المتأنية للأحكام التي تضمنتها آيات القرآن حول الزكاة ، تؤكد مسألة مهمة وهي التمثل الإعجازي الذي تحظى به هذه الفريضة ، فعلاوة على كونها فريضة تعبدية واجبة ، هي أيضا معجزة إلهية ترتبط بأسس النظام العالمي ، فالزكاة والوقف مؤسستان ماليتان إسلاميتان شرعتا لحل الإشكالات الاجتماعية بالأساس الأول ، لكن التفكير العميق والوضعيات التي أصبح يعيش فيها العالم حاليا أحالتنا على أوجه الإعجاز في هذه الفريضة ، منها :
1- الزكاة ضريبة على الثروة :
فالتحليل المالي الاقتصادي يوضح أن الزكاة تفرض على الدخل أو الثروة ،ذلك أن النظم الضريبية لم تقصر الضريبة على الدخل أو الثروة إلا حديثاً؛ أي بعد مجيء الإسلام بقرون كثيرة ، وكلنا قد سبق إلى ذهنه تلك الضرائب الغريبة التي عاشتها الإنسانية . بعبارة أخرى إن الزكاة لا تفرض على الشخص وإنما تفرض على دخله الربحي أو ثروته . مما يجعل الالتزام المالي ليس واقعاً على الشخص بدليل أنها لم تفرض إلا على الأغنياء ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم )) . وهذا وجه مهم فلو أن نقول في هذا الصدد لو أن المسلمين عملوا على كشف هذا العنصر وإظهاره فإنهم كانوا بذلك سيغيرون تاريخ الإنسان مع النظم الضريبية التي قهرته بأساليب كان بالإمكان أن يغير من خلاله المسلمون النظم الضريبية متعددة لو أن المسلمين قدموا للعالم التنظير الاقتصادي للزكاة وأنها لا تكون إلا على الدخل أو الثروة لأصبحوا بذلك هم صانعو التطور في النظم الضريبية، ولو حدث ذلك لكان العالم الإسلامي هو مصدر تطور العلوم الضريبية التي تأخذ العوالم الأخرى منه، ولكان فد تغير الحال القائم الآن من أن المسلمين يأخذون التقدم في العلوم من غيرهم.
2 - عدم تحديد مداخيل الزكاة : هذا وجه إعجازي آخر ، له حكمة بالغة في تشريع الزكاة ، فالنص القرآني واضح وجلي في تحديد الأصناف التي تجب لهم الزكاة ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾[التوبة: 60].
فماذا عن المداخيل التي يمكن من خلالها جمع أو تحصيل أموال الزكاة ؟
هذه المداخيل لم تتحدد في أنواعها على هذا النحو المفصل الدقيق ، يتفق الفقهاء على أن الأموال التي تجب فيها الزكاة تتحدد بقاعدة النماء، أو بشرط النماء إضافة إلى مرور الحول وكمال النصاب ، لكن تحديد وعاء الزكاة على هذا النحو فيه حكمة سامية تجعل الزكاة معجزة تشريعية اقتصادية، فالأنشطة الاقتصادية ومصادر الدخول وأشكال الثروات متجددة ومتطورة ولو تحددت الأموال التي تجب فيها الزكاة في عصر النبي عليه الصلاة والسلام تحديداً مفصلاً فإنها كانت ستتحدد بناء على الأموال الموجودة في ذاك العصر وبالتالي كان سيمنع أن يدخل في وعاء الزكاة الأنشطة الاقتصادية والدخول والثروات التي تستجد أو تظهر بعد ذلك لزيادة توضيح هذا المعنى نقارن بين الحياة الاقتصادية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والحياة الاقتصادية في عصرنا، لم يعرف اقتصادهم نظاما للبورصة أو الأسهم أو السندات الخ ، هذه المقارنة تكشف عن أنه توجد اختلافات جذرية في أشكال الأنشطة الاقتصادية وفي مصادر الدخول وفي أنواع الثروات ولم يكن متصوراً أن تذكر أنواع هذه التطورات في الحياة الاقتصادية. فلنا أن نتصور ما كان يمكن أن يحدث لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «تجب الزكاة في شركات الطيران أو في شركات الاتصالات،أو في سوق الأسهم أو في شركات المتعددة الوجوه ، هذه الأموال وغيرها لم يكن من الممكن تصورها للمعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم بل ولمن جاء بعدهم بقرون كثيرة حتى عصرنا الحديث “.
بناء على هذا الوجه الإعجازي يستنتج معيار من معايير إعجاز الزكاة وهو:
استيعاب التطور والتغير في الحياة الاقتصادية من حيث الدخول والثروات والأنشطة الاقتصادية (نقلاعن موقع الهيئة العالميةللإعجاز العلمي في القرآن والسنة www.nooran.orgبتصرف (
3 – الإشارة الواضحة إلى مؤسسة الزكاة :
من بين مصارف الزكاة الواردة في الآية القرآنية ، نجد مصرف العاملين عليها: فقه هذا المصرف يلزم بوجود مؤسسة للزكاة ، وهذا أمر بديهي ، لأن العاملين في شئ محدد ومعين بالضرورة يتكون منهم مشروع عمل ، يوحد مجهوداتهم ، ويعمل على تطوير أداءهم والرفع من مردوديتهم ، ويستلزم هذا الأمر أيضاً العمل على رفع كفاءة العاملين على الزكاة في جميع التخصصات والتي منها الفقه والإدارة والمحاسبة والاقتصاد، وغير ذلك مما يلزم لتشغيل مؤسسة الزكاة بكفاءة ومتابعة التطوير اللازم .
بناء على هذا ، يتضح وجه الإعجاز في تخصيص مصرف من مصارف الزكاة للعاملين عليها فوجه هذا الإعجاز أن يشير إلى أن تشريع الزكاة ينبغي أن يكون ضمن آلياته قيام المؤسسة اللازمة لتطبيق هذا التشريع ، هذا الأمر يحمل إعجازاً من حيث النظر الموضوعي وهو وجود مؤسسة، ويحمل إعجازاً من حيث النظر التاريخي عند نزول التشريع، ذلك أن العالم في ذلك الوقت لم يكن مستوعباً لأهمية المؤسسة كما نراها الآن، ويحمل إعجازاً كذلك من حيث التأطير المؤسسي للعمل التكافلي حيث لم تكن الدنيا بأسرها تعرف ذلك ولم تعرف التأطير المؤسسي للعمل التكافلي إلا حديثاً.
4 – العدل في تشريع فريضة الزكاة :
تفرض الزكاة على المال النامي وبهذا العنصر يستوعب وعاء الزكاة كل أنواع الأموال في المجتمع التي تتوافر فيها خاصية النماء ، وهذا نوع من الشمول يبين العدل الاجتماعي الذي تحققه هذه الفريضة . عنصر آخر من عناصر الشمول في الزكاة يتعلق بمن تجب عليه، الزكاة عبادة ولهذا يشترط فيها النية وكان يتوقع بسبب أنها عبادة ألا تفرض إلا على المكلف ولكن الزكاة عبادة مالية، وبسبب العنصر المالي فإن الزكاة تفرض على كل الأشخاص حتى ولو كانوا غير مكلفين وذلك مع مراعاة الشروط التي تجب بها الزكاة بغض النظر عن طبيعة هؤلاء الأشخاص .
ثم إن في الزكاة وجه إعجاز آخر ، وهذا الوجه يستعار من الأنظمة المالية الحالية التي تتحدث عن الطاقة الضريبية ، فيمكن الحديث أيضا عن الطاقة الزكوية ، ويقصد بها مقدرة المكلف بالزكاة على أدائها. فيدخل في هذا العنصرما يتعلق بالمعدلات التي تفرض بها الزكاة. فالزكاة تفرض على الثروة السائلة المكتنزة بمعدل 2.5%، ونفس المعدل على عروض التجارة. أما الزكاة على الأموال النامية حقيقة، أي المستثمرة، أي التي أصبحت أصولاً رأسمالية منتجة فتفرض بمعدل 5% على إجمال الدخل أو العائد أو بمعدل 10% على صافي الدخل أو العائد. الزكاة بهذه المعدلات لا تمثل عبأً ، بل إنها في حدود الطاقة.
ثانيا :مجالات التنمية للزكاة
التنمية في الفكر الاقتصادي الإسلامي تعني زيادة الإنتاج للرفع من مستوى الدخل ، فتحسين معيشة الإنسان ، وتوفير فرص العمل ، وخلق وسائل للإنتاج كلها معاني يشملها مفهوم التنمية ، ذلك أن فلسفة هذا المفهوم تقوم على ” اعتبار الفرد جزءا من المجتمع ، فحين يرتفع مستوى معيشة الأفراد ، يتبعه بالتالي ارتفاع مستوى المجتمع الذي هو في الأصل مجموعة من الأفراد …” (الإسلام والتنمية ، محمد عبد الحكيم زعير ، مجلة الاقتصاد الإسلامي ص2.العدد 51 1985 ) .
وبالرجوع إلى فريضة الزكاة ، نجد أن العناصر التي تقوم عليها فلسفة التنمية ، من حيث تنوع مجالات التدخل ، حاضرة وبقوة ، وتكفي بعض الإشارات للدلالة على هذا الأمر :
أ – دور الزكاة في تنمية الاقتصاد : تقوم الزكاة بدور أساسي في حركية المجال الاقتصادي من خلال محاربة الاكتناز والحث على الاستثمار وحركية رأس المال وما لهما من انعكاس إيجابي في توفير التشغيل وحماية الاقتصاد من التقلبات فضلا عن مضاعف الزكاة التي وعد الله بها عباده في قوله سبحانه وتعالى (( وما آتيتم من ربا لتربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله ، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون )) الروم 39 .
فدور الزكاة في محاربة الاكتناز والحث على الاستمار تتجلى ملامحه في عملية الرواج الاقتصادي التي سيساهم فيها الفقير ، قد يقول قائل ، كيف يشارك الفقير في عملية الرواج الاقتصادي ؟ أو كيف تساهم الأموال المكنوزة في الدور الإنمائي ؟
الجواب أن أخذ الأموال من الأغنياء – طبعا المكتنزة – ووضعها في أيدي الفقراء – في إطار الزكاة – أمر لا يخلو من تداول السلع والأموال فيرتفع بذلك الإنتاج ” فأقل ما يقال ، ما يوضع في يد مسكين سيشتري به خبزا ، والخباز سيشتري به قمحا ، والفلاح سيشتري به ثوبا ، والنساج سيشتري صوفا …. وكلما مر بيد ترك رزقا حسنا ، وذلك على المستوى الأدنى ” د. أحمد لسان الحق ، الأموال التي تجب فيها الزكاة ص71 سلسلة ندوات 30 .
ثم إن المال المكتنز إذا ظل كذلك سيضيع رأس ماله بفعل اقتطاعات الزكاة السنوية ، لهذا يضطر رأس المال إلى النزوح عن حجور الاكتناز بحثا عن فرص استثمارية تدر عليه على الأقل نسبة 2،5 حق الزكاة فيه .
أما دور الزكاة على مستوى حركية رأس المال فتظهر جلية في تشجيع الطاقة الانتاجية للاقتصاد ، لأن النفس البشرية ميالة بطبيعتها إلى الزيادة وهذا دافع للمسلم لاستثمار المال ليحقق من خلاله الربح ، إما بنفسه أو بمشاركة غيره ، أما لو ظل هذا المال قابعا في البنوك أو مكتنزا في الجحور فلا يحقق من ذلك شيئا .
من جهة أخرى تساهم الزكاة في تنشيط حركية رأس المال من خلال إنعاش الطلب ، ذلك أن الإسلام حينما قرر بأن الأموال تؤخذ من الأغنياء وترد إلى الفقراء



























